يصبح التغيير ملموسًا حين يُطلب من أحدهم اتخاذ قرار بطريقة مختلفة، أو تعلّم مهمة غير مألوفة، أو التخلي عن أسلوب عمل اعتاده. وعندها، تُختبر جودة القيادة في المواقف اليومية: كيف تُستقبل المخاوف، ومَن يُؤخذ برأيه، وحجم المسؤوليات التي يُعهد إلى الأفراد بها.
ركّز اليوم الثاني من وحدة «القيادة في ظل التغيير» ضمن برنامج اعتماد على إشراك الناس في التغيير: فهم أسباب المقاومة، وإشراك الأطراف المعنية، ومساعدة الفرق على الحفاظ على توافقها أثناء تطوّر العمل. واستوقفتني بوجه خاص العلاقة بين الثقة والالتزام. فقد يحظى القرار بالموافقة الرسمية، بينما يبقى المسؤولون عن تنفيذه غير متأكدين من غايته، أو تبعاته، أو دورهم فيه. ومساعدتهم على تجاوز هذا الغموض جزء من مسؤولية القيادة.
فهم المقاومة والحفاظ على التوافق
تستحق مقاومة التغيير اهتمامًا أعمق مما تحظى به أحيانًا. فالموظف المتمرس الذي يتساءل عن جدوى أسلوب جديد قد يخشى فقدان شعوره بالتمكّن أو مساحة الاستقلالية التي ساعدته على أداء عمله بكفاءة. وقد يؤيد مديرٌ النتيجة المنشودة، مع إدراكه أن مرحلة الانتقال تضيف أعباءً إلى فريق يعمل أصلًا تحت ضغط. وتستدعي هذه المخاوف استجابات مختلفة.
وقبل تحديد طريقة التدخل، يفيد طرح سؤال أدق: ما الذي يحاول هذا الشخص الحفاظ عليه؟ قد تشير الإجابة إلى خطر تشغيلي حقيقي، أو حاجة إلى التدريب، أو مسؤولية غير واضحة، أو قلق بشأن المكانة المهنية. ويساعد فهم المسألة القائد على تحديد ما ينبغي معالجته.
لنأخذ مثالًا افتراضيًا لمشرف يُطلب منه تولّي مسؤولية مجال عمل جديد. قد يعكس تردده غموضًا بشأن القرارات المخوّل باتخاذها، أو الدعم المتاح إذا حدث خطأ. وقد يكون الحوار حول حدود هذه الصلاحيات أجدى من إعادة شرح أهمية المبادرة. ينبغي أن تتناسب الاستجابة مع مصدر القلق.
ويتطلب ذلك الصراحة أيضًا. فبعض التغييرات تنطوي على مفاضلات صعبة، ولا يستطيع القادة أن يعدوا ببقاء مسؤوليات الجميع على حالها. وتعتمد المصداقية على توضيح ما حُسم، والإقرار بما لم يُحسم بعد، وتحديد الدعم المتاح. وتصبح الطمأنة ذات قيمة حين يلمس الناس أثرها في العمل.
ويقتضي الحفاظ على توافق الفرق توضيح الجوانب التي ستبقى ثابتة. فقد يغيّر الفريق أساليب عمله مع الحفاظ على التزامه بالخدمة أو السلامة أو المعايير المهنية. ويساعد تحديد هذه الثوابت على فهم التوجه، ويوفّر للزملاء مرجعًا عمليًا حين يفرض موقف غير متوقع الاختيار بين متطلبات متعارضة.
إشراك أصحاب التأثير وتعزيز التعاون
ويتعلق درس آخر بالتأثير. فالهيكل التنظيمي يوضح علاقات التبعية والصلاحيات الرسمية، لكنه لا يقدم سوى صورة جزئية عمّن يثق الناس بآرائهم. فقد يؤثر زميل ذو خبرة طويلة، أو موظف يحظى بالتقدير لكفاءته الفنية، أو شخص يصل بين فرق مختلفة، في كيفية فهم المبادرة داخل المؤسسة.
ويتطلب التعرّف إلى هؤلاء الأشخاص الانتباه إلى الطريقة التي يسير بها العمل فعلًا. مَن يُستشار عند ظهور مشكلة غير معتادة؟ ومَن يُعتدّ برأيه في النقاشات الصعبة؟ ومَن يستطيع شرح قرار غير مألوف بلغة يفهمها زملاؤه؟ قد يكشف إشراك هؤلاء مبكرًا عن مخاوف لا تظهر في المراجعات الرسمية.
وقد يكون لصاحب الرأي المتحفّظ الذي يحظى باحترام زملائه دور مهم. فاستعداده لمساءلة افتراض ما قد يساعد على كشف نقطة ضعف قبل أن تصبح معالجتها مكلفة. ويحتاج إشراكه إلى فرصة حقيقية للتأثير في طريقة العمل. أما طلب الآراء بعد حسم جميع القرارات المهمة، فقد يضعف الثقة التي يُفترض أن تبنيها المشاركة.
ويحتاج التعاون إلى الاهتمام نفسه بالأسباب الكامنة وراء الصعوبات. فإذا أحجم الزملاء عن مشاركة خبراتهم لأن أهداف الأداء تكافئ إنجازاتهم الفردية وحدها، فلن يفيد كثيرًا عقد اجتماع إضافي. وإذا كانت المشكلة هي عدم معرفة صاحب الخبرة المناسبة، فقد يكفي تعريف الأطراف بعضها ببعض. أما إذا اختلفت المصطلحات أو الافتراضات بين الفرق، فقد يساعد تنفيذ مهمة مشتركة على بناء فهم متبادل. ويتمثل دور القائد في تحديد العائق وتهيئة الظروف التي تجعل التعاون ممكنًا.
الإصغاء والمساءلة
وتتأثر الثقة كذلك بالطريقة التي يُعامل بها الناس حين يتحدثون بصراحة. فقد يدعو القائد إلى طرح الأسئلة، ثم يثبطها بنفاد صبره، أو اتخاذ موقف دفاعي، أو المسارعة إلى البحث عمّن يُلقى عليه اللوم. ويراقب الزملاء هذه الاستجابات، لأنها تؤثر في نوع المعلومات التي سيختارون مشاركتها لاحقًا.
ويجمع النهج الفعّال بين الانفتاح والمساءلة. ينبغي أن يستطيع الناس التعبير عن قلقهم، أو الإقرار بخطأ، أو مناقشة افتراض باحترام. وعليهم أيضًا أن يفهموا المعايير المطلوبة منهم، وأن يتحملوا مسؤولية الإجراءات المتفق عليها. ويتكامل الأمران: فالإفصاح المبكر يتيح التصحيح، والمساءلة تضمن معالجة المسألة.
وتستحق الملاحظات المتعلقة بقرارات القائد نفسه عناية خاصة. فمن الأسهل الإبلاغ عن تأخر مهمة عن موعدها من توضيح أن التوجيه الأصلي تسبب في التباس. ويمكن لسؤال محدد أن يجعل هذا الحوار أكثر فائدة: أي جانب من قراري جعل العمل أصعب؟ وأين جعلتُ الفريق يعتمد عليّ دون حاجة؟
وتعادل أهمية الاستجابة أهمية السؤال. فالإصغاء بعناية، والتحقق من الوقائع، ومقاومة الرغبة في تبرير كل قرار، قد تشجع الزملاء على الصراحة. وتبقى على القائد مسؤولية التقدير واتخاذ القرار. فقد تُعتمد بعض المقترحات، وتحتاج أخرى إلى مزيد من الدراسة، ويُرفض بعضها مع توضيح الأسباب.
ومن الضروري متابعة ما يترتب على هذا الحوار. فعندما يثير أحدهم مسألة، ينبغي أن يعرف الخطوة التالية، ومَن يتولى المسؤولية، ومتى ستُراجع. وإذا أدت ملاحظته إلى تعديل، فإن تقدير مساهمته يوضح أن للتعبير عن الرأي قيمة عملية. وإذا لم يُجرَ تغيير، فإن شرح الأسباب يمنع تفسير الصمت على أنه تجاهل.
التفويض ضمن حدود واضحة
وسلّطت الوحدة الضوء أيضًا على ضرورة تعديل مستوى تدخّل القائد مع تطوّر الفريق. ففي بداية مهمة غير مألوفة، قد يحتاج الأفراد إلى توجيه مباشر. ومع نمو قدراتهم، يمكن الانتقال إلى حل المشكلات بصورة مشتركة، ثم منحهم استقلالية أكبر. أما الاستمرار في اشتراط الموافقة على كل تفصيل، بعد أن يصبح الفريق مستعدًا للتصرف، فقد يرسّخ اعتمادًا على القائد يبطئ التقدم.
ولذلك، يحتاج التفويض الفعّال إلى حدود واضحة. ينبغي أن يفهم مَن يتولى المسؤولية النتيجة المطلوبة، والقرارات التي يستطيع اتخاذها، والحدود التي يلتزم بها، والحالات التي تستدعي الرجوع إلى المستوى الإداري الأعلى. فالمشرف المكلّف بالمشتريات الاعتيادية، مثلًا، يحتاج إلى سقف إنفاق متفق عليه، ومتطلبات واضحة للجودة، وآلية للتعامل مع الاستثناءات. وتتيح هذه الضوابط استقلالية يمكن الاعتماد عليها.
تطبيق ما تعلّمناه
وأرى تطبيقًا عمليًا لهذه الأفكار في اختيار مبادرة قائمة، والنظر في تجربة الأشخاص الذين ينفّذونها. مَن لم تنل مخاوفه ما تستحقه من اهتمام؟ ومَن أُغفل تأثيره غير الرسمي؟ وأي قرار ما زال يعود إلى القائد دون ضرورة؟ قد تكشف هذه الأسئلة عن تحسين محدد يمكن البدء به.
والدرس الذي أحمله معي هو أن أُولي اهتمامًا أكبر لما يحدث حين يطرح أحدهم رأيًا لم أفكر فيه. فأخذ مساهمته بجدية، واتخاذ قرار مدروس، ومتابعة تنفيذه، ممارسات قيادية يومية. والالتزام بها يمنح الناس ثقة أكبر لتحمّل مسؤولية العمل، وطرح مخاوفهم في وقت يسمح بمعالجتها.
لنواصل الحوار
هل لديك فرصة أو وجهة نظر تودّ مشاركتها؟ أرحّب بالتعرّف عليك وعلى فكرتك.

