كان أكتوبر العمران 2026 من أكثر الفعاليات التي تركت لديّ انطباعًا مميّزًا في سلطنة عُمان. فقد عكس مستوى العرض، والتكامل بين المؤتمر والمعرض، عناية واضحة بتقديم الحدث. وأرى أنه يستحق الإشادة بما حقّقه من حضور مهني، وبقدرته على تقريب موضوع ذي أهمية وطنية من الجمهور.

أُقيم مؤتمر ومعرض أكتوبر العمران بالتزامن مع معرض البيت والبناء، من 5 إلى 8 أكتوبر 2026، في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض بمسقط. وفي هذه المقالة، أودّ تسجيل انطباعي عن الفعالية نفسها: عن نجاحها في منح الإسكان والتطوير ومستقبل المدن حضورًا واضحًا، وعن المستوى الذي جعل هذه الدورة جديرة بالإشادة ضمن الفعاليات التي تُقام في السلطنة.

فعالية تركت انطباعًا مميّزًا

تركت المنصة الرئيسية انطباعًا واضحًا منذ البداية. فقد منحتها الهوية البصرية، وحجم الشاشات، وطريقة تقديم أكتوبر العمران طابعًا مميّزًا. وامتدّت التجربة إلى قاعة المعرض، حيث أتاحت الأجنحة المختلفة التعرّف على قضايا العمران بصورة أوضح. واجتمعت هذه العناصر في تقديم فعالية مشرّفة، ظهر فيها الاهتمام بالصورة التي تصل إلى الجمهور. وكان من الجميل أن يحظى العمران بمناسبة تليق بأهميته، وتمنح الحضور أكثر من مدخل لفهم ما يتصل به من أفكار وتصوّرات.

وقد أعجبني التوازن بين الطابع الرسمي للمؤتمر ومساحة المعرض التي يمكن للزوّار استكشافها وفق اهتماماتهم. فلكلّ منهما مدخل مختلف إلى الموضوع نفسه. وتبرز أهمية هذا التوازن في فعالية تخاطب المختصين، وتستقبل في الوقت نفسه جمهورًا متنوعًا في اهتماماته ومعرفته بالعمران. فليس مطلوبًا من كل زائر أن يقرأ الحدث بالطريقة نفسها، بل أن يجد فيه ما يقرّبه من الموضوع ويمنحه فهمًا أفضل له.

العمران في مساحة قريبة من الناس

قد يبدو الإسكان والتخطيط العمراني موضوعًا بعيدًا حين يُعرض بلغة تخصصية وحدها. أما المعرض فيمنحه صورة يمكن للناس الاقتراب منها وفهمها. فقد أتاحت الأجنحة رؤية مقترحات بمقاييس مختلفة، من مبانٍ منفردة إلى تصوّرات عمرانية أوسع. وهذا التنوع يساعد على إدراك نطاق الموضوع؛ فمستقبل المكان يشمل المساكن، والمساحات المحيطة بها، والروابط بين أجزاء الحيّ. وعندما تجتمع هذه الجوانب في مساحة واحدة، يصبح النظر إليها أكثر ترابطًا وأقرب إلى الفهم.

أدّت المجسّمات المعمارية دورًا مساعدًا في شرح توزيع المباني والمساحات المشتركة، وقدّمت مرجعًا بصريًا يمكن للزوّار العودة إليه أثناء الاطّلاع على المشاريع. وكانت أهميتها في خدمة الشرح ضمن تجربة أوسع، تضمّ العروض والمعلومات والحضور المباشر، وتتيح فهم المقترحات من أكثر من زاوية.

يساعد هذا الأسلوب على تقريب التخطيط من الجمهور، مع الإبقاء على ما يهمّ المختصين من تفاصيل. فالزائر الذي يبدأ اهتمامه من مسكن أو مكان للعمل يجد أمامه سياقًا أوسع، يستطيع من خلاله رؤية علاقته بالخدمات والفراغات والمحيط الذي سيكون جزءًا من تجربته اليومية.

مشهد عام لقاعة المعرض في أكتوبر العمران 2026
جمع المعرض التصوّرات العمرانية والجهات المشاركة في مكان واحد بمسقط.

السكن في إطار أوسع

تزامنت هذه الدورة أيضًا مع استضافة مسقط الفعالية العالمية ليوم الموئل العالمي في 5 أكتوبر، تحت شعار «السكن الملائم للجميع». وقد منح هذا السياق المناسبة بُعدًا يتجاوز المشاريع المعروضة، ووضع السكن ضمن حوار دولي يتصل بالناس والأماكن التي يعيشون فيها. وكانت استضافة عُمان لهذا الحوار سببًا إضافيًا لتقدير هذه الدورة والاهتمام بمكانتها. فالموضوع يمسّ حياة المجتمعات في بلدان مختلفة، ويمنح الحديث عن العمران نطاقًا أوسع من تفاصيل أي مشروع.

ولشعار هذه المناسبة معنى قريب من الحياة اليومية؛ فالسكن يرتبط بالخصوصية والاستقرار، ويرتبط محيطه بالوصول إلى الخدمات والعمل والمجتمع. ويمنح النظر إلى هذه العلاقات النقاش حول المدن بُعدًا مجتمعيًا، ويجعله ذا صلة بمن لا يفكر في شراء عقار الآن، لكنه يهتمّ بما تصبح عليه مدينته. ومن الجميل أن يتسع الحدث لهذه النظرة، وأن يتيح فهم العمران بوصفه جزءًا من حياة الناس، ومن الظروف التي تؤثر في راحتهم وتنظيم يومهم وعلاقتهم بمحيطهم.

وقد عزّز اجتماع المؤتمر مع معرض البيت والبناء تنوّع أبعاد الحدث. فالبرنامج الرسمي قدّم إطارًا للنقاش الأوسع، بينما أتاح المعرض الاقتراب من مقترحات محددة. وجمعت هذه الصيغة بين المنظورين الوطني والدولي وفرصة للاطّلاع على التطوير في صورة ملموسة. وفي نظري، كانت الصلة بين الحوار العام والمقترحات والمعلومات التي يستطيع الزوّار الاطّلاع عليها بأنفسهم أحد جوانب قوة هذه الدورة. فقد أتاح للمختص والزائر المهتم مدخلًا مناسبًا إلى الموضوع، ومساحة للاطّلاع على المقترحات.

تجربة تتيح الاقتراب والتفاعل

أتاحت قاعة المعرض طريقة مباشرة للتفاعل مع موضوع الحدث. فقد أمكن للزائر التوقف عند أحد الأجنحة، والاطّلاع بتأنٍّ، والاستفسار عمّا يشاهده. وتنبع قيمة المعرض، في جانب منها، من هذا التواصل المباشر. فالصورة على الشاشة قد تعرّف بالمقترح، بينما يمنح العرض في مكان مشترك وقتًا لاستكشافه، مع وجود المعنيين به وتوافر المعلومات المرتبطة به في المكان نفسه. وهذا يجعل الحضور المباشر جزءًا من فهم الموضوع، ويمنح اللقاءات المهنية قيمة تتجاوز التعارف إلى تبادل المعرفة.

وبالنسبة إلى المشاركين، تدعو هذه البيئة إلى العناية بطريقة التواصل. ينبغي أن يستطيع الزائر فهم ما يُعرض أمامه، حتى إن لم تكن لديه معرفة سابقة بالجهة المشاركة. ويساعد الشرح الواضح، وسهولة قراءة المعلومات، واتساق المواد البصرية على ذلك. وتضيف الأجنحة الجيّدة إلى المعرض كله حين تجعل التجربة مفهومة ومريحة للاطّلاع. ومن هنا تأتي أهمية التفكير في الزائر: ما الذي يحتاج إلى معرفته أولًا، وكيف يصل إلى التفاصيل التي تهمّه بعد ذلك؟

كما أن اجتماع الجهات العاملة في القطاع في مكان واحد يتيح فهم أدوارها المختلفة. فالتخطيط والتصميم والتطوير والبناء تسهم جميعها في تشكيل البيئة العمرانية، وإن اختلفت مسؤوليات كل منها. وجمع هذه الخبرات يوفّر مساحة مناسبة لرؤية الصلة بينها، ويساعد على فهم ما يحتاج إلى تعاون وما يتطلب خبرة متخصصة. وهذا من أسباب أهمية مثل هذه اللقاءات في نظري، بما يتجاوز مصلحة أي جهة مشاركة، ويمتد إلى فهم القطاع وطريقة عمله بصورة أشمل.

زوّار في أحد أجنحة أكتوبر العمران 2026
أتاحت أجنحة المعرض مساحة للقاء بين المشاركين والزوّار.

شكر مستحق للوزارة والقائمين على الحدث

أتقدّم بالشكر إلى معالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي، وزير الإسكان والتخطيط العمراني، وإلى الوزارة، على جهودهم في هذه الدورة من أكتوبر العمران. إن منح الإسكان ومستقبل مدننا منصة بهذا المستوى عمل يستحق التقدير. وقد وفّرت الفعالية إطارًا بارزًا لموضوع يمسّ حياة الناس واتجاه التطوير في السلطنة، وقدّمته بصورة مشرّفة وقريبة من الجمهور.

ويمتدّ شكري إلى فرق التنظيم وشركاء الفعالية وكل من أسهم في إعدادها وتنفيذها. فالزائر يلمس النتيجة أمامه، بينما تبقى جوانب كثيرة من العمل خارج ما يراه. وتستحق هذه الجهود الشكر والتقدير لما أسهمت به في تقديم تجربة مشرّفة للحضور وللسلطنة.

مستوى يمكن البناء عليه

من آثار الفعالية الجيّدة أنها ترفع التوقعات لما يأتي بعدها. وقد جمعت هذه الدورة بين هوية بصرية واضحة، وموضوع يتصل باهتمامات المجتمع، وفرصة للاطّلاع على التطوير بصورة مباشرة. وتمنح هذه العناصر الدورات المقبلة أساسًا يمكن البناء عليه. كما أن استمرار العلاقة بين الحوار العمراني الأوسع والمعرض الذي يستطيع الناس استكشافه يساعد على الحفاظ على طابع الحدث، وعلى ما جعله تجربة تستحق الحضور. ومن هنا تأتي أهمية الاحتفاظ بهذه الروابط، مع تطوير ما تقدّمه النسخ المقبلة.

أستذكر هذه الدورة بتقدير لنجاحها وللطموح الذي عبّرت عنه. تستطيع عُمان تقديم مناسبات تجمع بين التنظيم المهني، والارتباط بقضاياها المحلية، والمشاركة في حوار دولي. وقدّم أكتوبر العمران مثالًا أعتز به على ذلك. وما يدفع إلى انتظار الدورة المقبلة هو جودة التجربة التي قدّمتها هذه الدورة، والمستوى الذي أصبح من الممكن البناء عليه.

لنواصل الحوار

هل لديك فرصة أو وجهة نظر تودّ مشاركتها؟ أرحّب بالتعرّف عليك وعلى فكرتك.

تواصل معيM@malhasni.com

المصادر الرسمية