أتاح اليوم الأول من الوحدة الرابعة في برنامج اعتماد، بعنوان «القيادة في ظل التغيير»، فرصة للابتعاد قليلًا عن وتيرة القرارات اليومية والتأمل في الطريقة التي نتعامل بها مع التغيير. وبقي في ذهني سؤال مباشر: إلى أي مدى نفهم ما نريد تغييره قبل أن نقرّر ما سنفعله؟

في بيئة الأعمال، كثيرًا ما تدفعنا الضغوط إلى التحرك سريعًا. تظهر مشكلة، ويُطرح حل، ثم ينتقل التركيز إلى التنفيذ. وقد تكون هذه السرعة مفيدة، لكنها قد تترك افتراضات مهمة دون تمحيص. شجّعت الجلسة على البدء بتأنٍّ أكبر: فهم التحدي، وتحديد النتيجة المطلوبة بوضوح، والنظر فيما يحتاج إليه الناس لإحراز تقدم.

فهم طبيعة التغيير

كان التمييز بين تحسين الأداء والتحول من الأفكار المفيدة. فتطوير إجراء قائم قد يحقق قيمة كبيرة، سواء بتقليص التأخير، أو الحد من الأخطاء، أو رفع موثوقية الخدمة. أما التحول، فيتطلب مراجعة أعمق للطريقة التي تعمل بها المؤسسة وتقدّم من خلالها القيمة. ويساعد إدراك ما نحتاج إليه فعلًا على تحديد حجم التدخل والجهد الذي يستحقه.

وتقدّم التقنية مثالًا عمليًا على ذلك. فقد يسهّل إدخال نظام جديد الوصول إلى المعلومات، لكن قيمته تتوقف على القرارات والمسؤوليات المرتبطة باستخدامه. فإذا انتقلت الموافقات غير الواضحة والأعمال المتكررة إلى المنصة الجديدة كما هي، فقد يستمر جانب كبير من الصعوبة الأصلية. لذلك، من المفيد فحص العمل نفسه قبل اختيار الأداة: من يحتاج إلى المعلومات؟ ومن يتصرف بناءً عليها؟ وأين تنتقل المسؤولية من شخص إلى آخر؟

ويقود ذلك إلى اعتبار آخر: تشخيص ما إذا كان التحدي تقنيًا، أو يتطلب التكيّف، أو يجمع بين الأمرين. فالمتطلب التقني يمكن غالبًا معالجته بالخبرة المتخصصة، والمعايير المحددة، والخطة التفصيلية. أما التحدي الذي يتطلب التكيّف، فيستدعي من الناس مراجعة عادات راسخة، أو افتراضات، أو أساليب عمل اعتادوها. ويساعد هذا التمييز القائد على تقدير ما يمكن التخطيط له مسبقًا، وما يحتاج إلى التعلّم من خلال التجربة.

وقد يجمع المشروع الواحد بين الجانبين. فالعناصر التقنية قد تحتاج إلى مراحل إنجاز محددة، بينما تستفيد الجوانب البشرية والتشغيلية من فترات أقصر للتجربة والمراجعة. وجدت هذا التمييز مفيدًا لأنه يتيح الانضباط دون افتراض توافر جميع الإجابات منذ البداية. فتجربة محدودة قد تكشف مواضع الالتباس أو العمل الإضافي غير الضروري في الأسلوب المقترح، وتمنح الفريق فرصة لتعديله قبل توسيع تطبيقه.

تحويل التوجه إلى فهم مشترك

وكان وضوح التوجه من المحاور الأساسية أيضًا. فقد تكون الأولوية مفهومة تمامًا لدى من يحددها، بينما يفسّرها المسؤولون عن تنفيذها بطرق مختلفة. فالتوجيه بتحسين خدمة العملاء، مثلًا، قد يعني لفريق سرعة الرد، ولآخر تقديم معلومات أكثر تفصيلًا، ولثالث منح مرونة أكبر في التعامل. وكل تفسير قد يكون منطقيًا، لكن هذه الجهود تحتاج إلى غاية مشتركة تجمعها.

ومن مسؤوليات القيادة أن توضّح المعنى العملي للأولوية، وأن تتحقق من كيفية فهمها. فعندما نطلب من أحد الزملاء شرح النتيجة المنشودة والطريقة التي يقترحها لتحقيقها، قد نكتشف فجوات لا تظهر بمجرد تأكيد استيعاب التوجيه. كما يتيح ذلك وصول المعلومات في الاتجاه الآخر: قيود التنفيذ، أو تعارض المسؤوليات، أو تفاصيل لم تكن ظاهرة عند تحديد التوجه أول مرة.

وتزداد أهمية هذا الأمر حين ينتقل العمل بين الإدارات. فالعميل يختبر الخدمة بمراحلها كاملة. وقد ينجز فريق مهمته بكفاءة، بينما ينتظر الفريق التالي معلومة ناقصة أو يعيد عملية تحقق سبق تنفيذها. ويمكن أن تكشف مراجعة نقاط الانتقال هذه سبب انشغال المؤسسة دون تحقيق التحسن الذي تستهدفه. لذا، ينبغي أن يشمل الفهم المشترك كيفية ترابط العمل بين الفرق.

تحديد التحسن المنشود

ويُعدّ تحديد التحسن المنشود جزءًا من تشخيص التحدي. فتثبيت برنامج، أو تنفيذ تدريب، أو اعتماد نموذج للتقارير، كلها خطوات يمكن التحقق من إتمامها، لكن ينبغي تحديد الغاية قبل البدء فيها. ما الذي نريد أن يصبح أسهل، أو أكثر موثوقية، أو أعلى كفاءة؟ هل نستهدف اتخاذ القرارات في الوقت المناسب، أم تحسين جودة المعلومات، أم تطوير تجربة العميل؟ تمنح الإجابة عن هذه الأسئلة التغيير وجهة يمكن تقييم الحلول المقترحة في ضوئها.

ولهذا السبب، يكتسب اختيار مقياس الأداء المناسب أهمية كبيرة. فإذا اقتصر تقييم فريق الخدمة على عدد طلبات العملاء المسجّلة بوصفها مكتملة، فقد يشجّع المقياس على السرعة على حساب تلبية احتياج العميل. وربما يخفي رقم يبدو إيجابيًا تكرار تواصل العملاء أو بقاء مشكلاتهم دون حل. لذلك، فإن التفكير في السلوك الذي قد يشجعه المقياس جزء من تصميم التغيير، إلى جانب تحديد ما ينبغي أن يقيسه.

النظر إلى المنظومة كاملة

وساعد النظر إلى المؤسسة بوصفها منظومة مترابطة على جمع هذه الأفكار. فالتدخل في جانب من العمل قد تترتب عليه آثار في جوانب أخرى. وقد يؤدي إلغاء إحدى خطوات الموافقة، مثلًا، إلى تسريع الإجراء، لكن يبقى من الضروري فهم الغرض من وجودها. فالتحسين المدروس يراعي الفائدة المتوقعة، والضوابط التي ستتغير، وأثر ذلك في المراحل التالية من العمل.

وكانت هناك أيضًا إشارة مهمة إلى قدرة الفرق على استيعاب التغيير. فقد تصبح مجموعة من المبادرات المفيدة صعبة الإدارة حين تبدأ في الوقت نفسه. فكل مبادرة تحتاج إلى انتباه وتعلّم وتكيّف، إلى جانب الالتزامات القائمة. وقد يكون بطء الاستجابة انعكاسًا لهذا الضغط. وقبل تفسيره على أنه عدم رغبة في التغيير، يحتاج القادة إلى فهم حجم ما يُطلب من الناس تحمّله بالفعل.

بالنسبة إليّ، يجعل ذلك ترتيب المبادرات قرارًا قياديًا له أثر مباشر. فتحديد ما يبدأ أولًا، وما يمكن تأجيله، وما ينبغي إنهاؤه من الأعمال القائمة، يمنح الأولوية مصداقية. ويساعد الموظفين على معرفة أين يوجّهون جهودهم، ويمنح الممارسات الجديدة وقتًا حتى تصبح مألوفة. وينبغي النظر إلى وتيرة التغيير بالقدر نفسه من الاهتمام الذي يُمنح لحجم الطموح.

ما أحمله معي من هذه التجربة

ما أقدّره في تجربة تعلّم مثل اعتماد هو فرصة العودة إلى أسئلة إدارية مألوفة بقدر أكبر من الدقة. وقد قدّم هذا اليوم الأول فائدة عملية: طريقة أوضح لتشخيص التحدي، وفهم ارتباطاته، والنظر في تجربة من يُنتظر منهم التعامل معه. وأتوجّه بالشكر إلى نيل بيركن وفريق برنامج اعتماد على إتاحة هذه الفرصة.

قبل الشروع في المبادرة المقبلة، أريد أن أتوقف عند سؤال محدد: ما الذي نحتاج إلى تحسينه، وما الذي يساعد الناس على تحقيق هذا التحسن؟ تتطلب الإجابة الجيدة حسن التقدير، ووضوح التواصل، والاستعداد لمراجعة الأسلوب كلما تعمّق الفهم. وهي مسؤوليات تظل قائمة طوال العمل.

لنواصل الحوار

هل لديك فرصة أو وجهة نظر تودّ مشاركتها؟ أرحّب بالتعرّف عليك وعلى فكرتك.

تواصل معيM@malhasni.com